العيني
175
عمدة القاري
المشرفة بها وهي عارية عنها في الآخرة لا تنفعها إذا لم تضمها مع العمل . قال تعالى : * ( فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ) * ( المؤمنون : 101 ) قوله : ( كاسية ) على وزن : فاعلة ، من : كسا ، ولكن بمعنى مكسورة ، كما في قول الحطيئة . واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي قال الفراء : يعني المكسو . كقولك : ماء دافق ، وعيشة راضية . لأنه يقال : كسي العريان ، ولا يقال : كسا . قوله : ( عارية ) بتخفيف الياء . قال القاضي : أكثر الروايات بخفض عارية على الوصف . وقال السهيلي : الأحسن عند سيبويه الخفض على النعت لأن : رب ، عنده حرف جر يلزم صدر الكلام ، ويجوز الرفع كما تقول : رب رجل عاقل على إضمار مبتدأ ، والجملة في موضع النعت أي : هي عارية ، والفعل الذي يتعلق به : رب ، محذوف . واختار الكسائي أن يكون رب أسما مبتدأ ، والمرفوع خبرها . ومما يستفاد من هذا الحديث أن للرجل أن يوقظ أهله بالليل للصلاة ولذكر الله تعالى ، لا سيما عند آية تحدث أو رؤيا مخوفة ، وجواز قول : سبحان الله ، عند التعجب واستحباب ذكر الله بعد الاستيقاظ وغير ذلك . 41 ( ( بابُ السَّمَر في العِلْمِ ) ) أي : هذا باب في بيان السمر في العلم ، هذه رواية أبي ذر بإضافة الباب إلى السمر ، وفي رواية غيره باب السمر في العلم بتنوين الباب ، وقطع الإضافة ، وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف ، كما ذكرنا . والسمر ، مبتدأ : وفي العلم ، في محل الصفة ، والخبر محذوف تقديره : هذا باب فيه السمر بالعلم أي : بيان السمر بالعلم ، و : السمر ، بفتح الميم ، هو الحديث بالليل ، ويقال : السمر بإسكان الميم ، وقال عياض : الأول هو الرواية . قال ابن سراج : الإسكان أولى ، وضبطه بعضهم به ، وأصله لون القمر ، لأنهم كانوا يتحدثون إليه ، ومنه الأسمر لشبهه بذلك اللون . وقال غيره : السمر ، بالفتح : الحديث بالليل ، وأصله لا أكلمه السمر والقمر ، أي : الليل والنهار . وفي ( العباب ) السمر المسامرة أي : الحديث بالليل ، وقد سمر يسمر وهو سامر والسامر أيضا السمار وهم القوم يسمرون ، كما يقال للحجاج : حاج كما قال الله تعالى : * ( سامراً تهجرون ) * ( المؤمنون : 67 ) أي : سمارا يتحدثون ، والسمر الليل والسمير الذي يسامرك ، وابنا سمير : الليل والنهار لأنه يسمر فيهما ، ويقال : أفعله ما سمر ابنا سمير أي : أبدا . ويقال : السمر الدهر ، وابناه الليل والنهار . ولا أفعله سمير الليالي ، وسجين الليالي ، أي ما دام الناس يسمرون في ليلة قمراء . وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول العلم والعظة بالليل ، وقد كان التحدث بعد العشاء منهيا ، وهو السمر . والمذكور في هذا الباب هو السمر بالعلم ، ونبه بهما على أن السمر المنهي عنه إنما هو فيما لا يكون من الخير ، وأما السمر بالخير فليس بمنهي بل مرغوب . فافهم . 116 حدّثنا سَعِيدُ بنُ غُفَيْرٍ قال : حدّثني اللَّيْثُ قال : حدّثني عَبْدُ الرَّحْمن بنُ خالِدٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سالِمٍ وأبي بَكْرِ بن سُلَيْمَانَ بنِ أبي حَثْمَةَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ عُمَرَ قالَ : صلَّى بنَا النبيُّ صلى الله عليه وسلم العِشَاءَ في آخِرِ حَيَاتِهِ ، فَلَمَّا سَلَّمَ قامَ فقال : ( أرأيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ ؟ فإنَّ رَأْسَ مائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلى ظَهْرِ الأرْض أحَدٌ ) . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة ، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم حدث الصحابة بهذا الحديث بعد صلاة العشاء وهو سمر بالعلم . بيان رجاله : وهم سبعة : الأول : سعيد بن عفير ، بضم العين المهملة وفتح الفاء ، وقد مر . الثاني : الليث بن سعد . الثالث : عبد الرحمن بن خالد بن مسافر أبو خالد ، ويقال : أبو الوليد الفهمي ، مولى الليث بن سعد أمير مصر لهشام بن عبد الملك . قال ابن سعد : كانت ولايته على مصر سنة ثمان عشرة ومائة ، وقال يحيى بن معين : كان عنده من الزهري كتاب فيه مائتا حديث أو ثلاثمائة ، كان الليث يحدث بها عنه ، وكان جده شهد فتح بيت المقدس مع عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه . وقال أبو حاتم : صالح . وقال ابن يونس : كان ثبتا في الحديث ، توفي سنة سبع وعشرين ومائة ، روى له البخاري ومسلم والترمذي والنسائي . الرابع : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري . الخامس : سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وقد تقدم . السادس : أبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة ، بفتح الحاء المهملة وسكون الثاء المثلثة ، واسمه عبد الله بن حذيفة ، وقيل : عدي بن كعب بن حذيفة بن غانم بن عبد الله بن عويج